التعبير الغنائي

 

التعبير الغنائي

 

منذ البدايات الأولى، شعر الإنسان بضعفه وضآلته في هذا الكون اللامتناهي. وأدرك ضرورة تملك القوة كأداة تضمن له البقاء أولا ثم الباقي بعد ذلك. وأول أدوات القوة التي ابتكرها: السحر كسلاح يستمد فعاليته من العالم الخفي، من العالم الآخر. ولعل الأمر انتهى به إلى اكتشاف الغناء كشكل من أشكال السحر: سحر الطفل الباكي، سحر الحبيب اللامبالي، سحر القبيلة وتوحيدها على إيقاع أغنية واحدة أو نشيد واحد.


ولأن الغناء له مفعول السحر على عواطف الناس واتجاه تفكيرهم، فقد كان تاريخ الغناء صارما في تحديد مقاييس جمال الصوت المنفرد. ولكن هذا التاريخ، تاريخ الغناء، لم يخض في باقي مكونات الأغنية مما ترك الوعي الناقص بالشكل والوظيفة الغنائيتين ممتدا عبر الزمن. هذا الوعي الناقص الذي يمكن نعته بأزمة التنظير الغنائي كان أبرز ضحاياه: المغني.

 


مراتب المغنين: 

المغني هو حلقة من الحلقات الأربع الضرورية لكل أغنية:

v   الشاعر: كاتب كلمات الأغنية. 

v   الملحن: كاتب ألحانها. 

v   الموزع: مؤلف الموسيقى المصاحبة للأغنية .

v   المغني: مؤدي النص الغنائي. 


لكن صفة المغني داخل هذه الحلقات المتشابكة هي مراتب ثلاث ترتقي وتتدنى حسب الموهبة والتأطير وروح الإبداع. وهذه المراتب هي: 

v   المغني: إنسان له طاقة صوتية تمكنه من محاكاة أغنية.

v   المطرب: مغني موهوب له القدرة على الإبداع داخل الأغنية ذاتها.

v   المبدع: منتج الأغنية فكريا وجماليا وإيديولوجيا أحيانا. فالمبدع، مبدع الأغنية، يتربع على هرم المثلث لكونه يجمع بين القدرة على الغناء أحيانا وبين الإلمام بالإطار النظري والجمالي وحتى الإيديولوجي للأغنية. فرؤيته للأغنية شاملة، لكن قلة هم المبدعون الذين يؤدون نصوصهم الغنائية بأنفسهم مثل:

v   محمد عبد الوهاب

v   فريد الأطرش

v   سيد درويش

v   سيد مكاوي

v   عبد الوهاب الدكالي

v   مارسيل خليفة

…فالأغنية تفضل الانسحاب لفائدة صوت غنائي أفضل من صوتها كما كان يفعل: عبد السلام عامر، رياض السنباطي، زياد الرحباني، محمد الموجي، كمال الطويل، بليغ حمدي… 


أما المغني فدون المبدع بكثير كون كل رأسماله هو طاقته الصوتية. إنه حكاء ، محض حكاء تعوزه القدرة على الارتجال الناجح داخل النص والتجارب مع حالة الجمهور…إنه مجرد صوت يحفظ أغنية عن ظهر قلب… 
أما المطرب فيبقى أرفع مرتبة من المغني وأقدر على الأداء الغنائي الخلاق لجمعه بين الطاقة الصوتية والقدرة على الإبداع داخل النص ( ارتجال مواويل مثلا ).إنه فنان ينقش خصوصيته على فن المبدع وعلى الذوق العام للعصر… 
 

 

 

وظيفة المطرب: 

الطرب، كنشاط أرقى من الغناء، هو شكل من اشكال التعبير والجهر بالرأي وروحنته لدرجة يصبح فيها الرأي رأي الجميع، والإحساس إحساس الجميع. إن وظيفة المطرب هي إلقاء النص الغنائي مع إبداء الموقف من هذا النص من خلال الإيماءات الجسدية المعبرة والوضعيات الجسدية الوظيفية لاشيء يفسد النص الغنائي أكثر من سكونية المغني أو تحفظه أو لامبالاته أو جهله بأساليب التعبير الجسدي. إنها دليل شيخوخة أو كسل، وهي في الحالتين ليست من شيم المطرب الواعي برسالته الفنية المشترطة لتوحد المطرب مع أغنيته، أو ما يمكن تسميته ” بالصدق الفني ” فالمطرب إما أن يكون صادقا يغني تجربته وإحساسه وقدره أو اختياره، وإما أن يكون زائفا يغني عن مشاعر وأحاسيس واختيارات منسوبة إليه قسرا…لكن الصدق يقتضي جسدا رديفا للنص يرتجف لارتجافه وينقبض لانقباضه وينشرح لانشراحه:

 ” لن يستطيع مغني الأوبرا مهما أجهد نفسه في محاولات صوتية أن يصل إلى المتفرج محدثا عنده هزة من الدهشة، أي لن يجعل المتفرج يرى أعماق آلام الإنسان أو سعادته إذا كان مجرد مقلد، إذا لم يصنع لنفسه مجموعة مصورة من الصور المرئية داخله.”فريد يريك نيتشه ” إنسان مفرط في إنسانيته ” .

 

الغناء العربي في صدر الإسلام

 

الغناء العربي في صدر الإسلام

       

لما جاء الإسلام وتم للمسلمين ما تم من الفتوح الإسلامية، وكانوا وما زالوا على ما عرفوا به من البداوة مع نضارة الدين الجديد ودعوته إلى التخلي عن كل ما ليس بنافع في دين ولا معاش، فإنهم هجروا الغناء ما استطاعوا، وإن لم يغفلوا أثر الصوت الجميل في الترنم بالشعر الذي هو دينهم ومذهبهم، وفي تلاوة القرآن الكريم وترجيعه، وفي آذان الصلاة، فقد أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه طلب إلى بلال أن يؤذن للصلاة لأنه كان ندي الصوت.


أما موقف الإسلام من حيث الموسيقى والغناء، فقد تناقش فقهاؤه قرونا حول هذه القضية، فمنهم من حرم ومنهم من حلل:

q فالإمام الشافعي يقول: “إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته”، وحكي عنه أنه كان يكره الطقطقة بالقضيب ويقول: “وضعته الزنادقة ليشتغلوا به عن القرآن”.

q أما الإمام مالك فقد نهى عن الغناء وقال: “إذا اشترى أحدكم جارية فوجدها مغنية كان له ردها”.

q وأما أبو حنيفة: “فإنه كان يكره الغناء ويجعل سماعه من الذنوب”.


وجاء في محاضرات الأدباء، أنه مر مسلمة بن عبد الملك يوما بقصر أخيه سليمان “فسمع صوت مغن، فغدا إلى سليمان وقال: يا أمير المؤمنين، مررت أمس بالقصر الذي فيه حرمك فسمعت فيه غناء، أما علمت أن الفرس يصهل فتشال الحجر، والحمار ينهق فتستودق له الأتان، والثور يخور فتستخرم له البقرة، والتيس ينب فيثغوا له المعز، والكلب يعوي فتصرف له الكلبة، والمغني يغني فترتاح له النساء؟” فقال سليمان: “قد وعظت وأحسنت والله علي راع وكفيل، لا يدخل داري مغن ذكر ولا أنثى”.

 

أما الإمام الغزالي فيقول في كتابه إحياء علوم الدين:

“إعلم أن القول القائل: السماع حرام، معناه أن الله تعالى يعاقب عليه، وهذا أمر لا يعرف بمجرد العقل بل بالسمع، ومعرفة الشرعيات محصورة في النص أو القياس على المنصوص. وأعني بالنص ما أظهره الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله أو فعله: وبالقياس المغنى المفهوم من ألفاظه وأفعاله.. ولكن نستفتح ونقول: قد دل النص والقياس جميعا على إباحته.


أما القياس:

فهو أن الغناء فيه معان ينبغي أن يبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها، فإن في سماع صوت طيب موزون، مفهوم المعنى محرك للقلب، فالوصف الأعم أنه صوت طيب. ثم الطيب ينقسم إلى الموزون وغيره، والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار، وإلى غير المفهوم كأصوات الجمادات وسائر الحيوانات.


أما سماع الصوت الطيب من حيث أنه طيب فلا ينبغي أن يحرم بل هو حلال بالنص والقياس، أما القياس فهو أنه يرجع إلى تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو مخصوص به، وللإنسان عقل وخسم حواس ولكل حاسة إدراك، وفي مدركات تلك الحاسة ما يستلذ، فلذة النظر في المبصرات الجميلة كالخضرة والماء الجاري والوجه الحسن وبالجملة سائر الألوان الجميلة، وهي في مقابلة ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة. وللشم الروائح الطيبة، وهي في مقابلة الأنتان المستكرهة. وللذوق الطعوم اللذيذة كالدسومة والحلاوة والحموضة. وهي في مقابلة المرارة المستبعثة. وللمس لذة اللين والنعومة والملامسة، وهي في مقابلة الخشونة والضراسة. وللعقل لذة العلم والمعرفة وهي في مقابلة الجهل والبلادة.


فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذة كصوت العنادل والمزامير، ومستكرهة كنهيق الحمير وغيرها. مما أظهر قياس هذه الحاسة ولذتها على سائر الحواس ولذاتها؟


أما النص فيدل على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان الله تعالى على عباده إذ قال: “يزيد في الخلق ما يشاء”، فقيل هو الصوت الحسن. وفي الحديث: “ما بعث الله نبيا إلا حسن الصوت”، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: “لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة لقينته”، وفي الحديث في معرض المدح لداود عليه السلام: “كان داود حسن الصوت في النياحة على نفسه وفي تلاوة الزبور حتى كان يجتمع الإنس والجن والوحوش والطير لسماع صوته، وكان يحمل في مجلسه أربعمائة جنازة وما يقرب منها في الأوقات”. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام في مدح أبي موسى الأشعري: “ولقد أعطى مزمارا من مزامير آل داود”. وقول الله تعالى” “إن أنكر الأصوات لصوت الحمير”، يدل بمفهومه على الصوت الحسن. ولو جاز صوت العندليب لأنه ليس من القرآن. وإذا جاز سماع صوت غفل لا معنى له فلم لا يجوز صوت يفهم منه الحكمة والمعاني الصحيحة؟ وإن من الشعر والحكمة”.

الغناء العربي في العصر الأموي

 

الغناء العربي في العصر الأموي

  

ما إن حل العصر الأموي حتى شاع الغناء، فقد شغف العرب به كثيرا على اختلاف طبقاتهم وبيئاتهم، لهذا تعددت مراكزه وتنوعت مدارسه، وانتشرت دوره ومجالسه ومنتدياته. تلك التي كان الناس يغشونها للطرب والسماع، حيث كان أكثر المشتغلين والمشتغلات به من أصل فارسي.


ولعل بيئة الحجاز أبان هذا العصر كانت أكثر البيئات العربية التي ازدهر فيها الغناء، ثم انطلقت منها إلى مواطن أخرى. فكان للغناء بمكة مدرسة من رجالها: ابن مشجع وابن محرز وابن سريج والغريض وابن مشعب، والهذلي النقاش، وعبادل بن عطية، وخليل بن عمرو. ومن مغنياتها: سلامة القس، وأختها ريا، وخليدة المكية، وعقيلة العفيفية، وربيحة موليات بن شماس والمعروفات بالشماسيات.

وكان للغناء بالحجاز مدرسة أخرى بالمدينة من رجالها: سائب خائر، معبد بن وهب، ابن عائشة، طويس، مالك بن أبي السمح، هيت، طريف، حبيب نؤم الضحى، برد الفؤاد، بديح المليح، نافع وعطرّد وابن صاحب الوضوء، الدلال، الأبحر، البردان، قند، رحمة ووهبة الله. ومن المغنيات: عزة الميلاء، جميلة، حبابة، بصبص، فرعة، بلبلة ولذة العيش. وكان في وادي القرى مدرسة ثالثة من رجالها: حكم الوادي، يعقوب الوادي، سليمان، خليد بن عتيك وعمر الوادي الذي كان يقول: “ربما ترنمت بالصوت وأنا غرثان فيشبعني فيؤنسني وكسلان فينشطني”.

هذا عن أهم مدارس الغناء بالحجاز وأشهر مغنيها ومغنياتها في العصر الأموي، أم خارج الحجاز فلم يكن للغناء شأن يذكر إلا في بيئتي العراق والشام، ومع ذلك فلم يبلغ في هذين الإقليمين ما بلغه في الحجاز من شهرة واستضافة وأصالة.

ففي العراق أيام الأمويين ظهر في الغناء حنين، أما في الشام عاصمة الدولة الإسلامية، فلم يظهر فيها مغنون في العصر الأموي اللهم إلا أبو كامل الغزيل الدمشقي مولى الوليد بن يزيد، فقد كان مغنيا محسنا وطيبا مضحكا. كان يغني في قصر الوليد فيطرب له، وغناه ذات يوم لحنا لابن سريج فطرب وخلع عليه حتى قلنسية وشيٍٍٍ مذهبة كانت على رأسه.


ويؤرخ الجاحظ موقف خلفاء الأمويين من الغناء فيقول: “كان الخلفاء الأوَل يستمعون في أوقات فراغهم لقصائد الشعراء، ولم يلبث الغناء أن حل محل الشعر. فكان معاوية وعبد الملك والوليد وسليمان وهشام ومروان بن محمد لا يظهرون للندماء والمغنين، بل كان بينهم حجاب، حتى لا يطلع الندماء على ما يفعله الخليفة إذا طرب. فقد تأخذ نشوة الطرب بلبه فيقوم بحركات لا يطلع عليها إلا خواص جواريه. 

وإذا ارتفع من خلف الستارة صوت أو حركة غريبة، صاح صاحب الستارة: “حسبك يا جارية! كفي! أقصري!” موهما الندماء أن الفاعل لتلك الحركات هو بعض الجواري. وكان بعض خلفاء بني أمية يظهرون للندماء والمغنين، ولا يحفلون بإتيان حركات تثيرها نشوة الطرب في نفوسهم. وكان يزيد بن عبد الملك يبالغ في المجون بحضرة الندماء، كما سوى بين الطبقة العليا والسفلى، وأذن للندماء في الكلام والضحك والهزل في مجلسه، فلم يتورعوا في الرد عليه، وحذا حذوه في ذلك الوليد بن يزيد.


ومن الخلفاء الأمويين الذين اشتهروا باللهو والشراب وحب الغناء يزيد بن معاوية، فقد كان صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب، ومما أثر عنه أنه جلس ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد، ذلك بعد مقتل الحسين فأقبل على ساقيه وقال:

 

اسقني شربة تروي مشاشي ثم مل فاسق مثلها ابن زياد
صاحب السر والأمانة عندي ولتسديد مغنمي وجهادي

 

ثم أمر المغنين فغنوا به.. وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة واستعملت الملاهي وأظهر الناس شرب الشراب.

والحق أن الغناء العربي قد تطور كثيرا بعد الإسلام بفعل ما أدخل عليه من ألحان الفرس والروم، وكذلك بفعل العوامل الجديدة التي طرأت على المجتمع الحجازي خاصة وأثرت في نفوس أهله عامة.

الغناء العربي في العصر العباسي

 

الغناء العربي في العصر العباسي

 

عند مجيء العصر العباسي، انتقلت عاصمة الدولة من الشام إلى العراق. وقد كان اللهو عامة محدودا أو على الأصح مكبوتا في نفوس الناس في عهد “السفاح والمنصور”، فإنهما كانا رجلي كفاح وإدارة وحزم، فوق ما عرفا به من البخل بل قل من الحرص والضن بأموال الدولة. ومع وجود تلك الحقيقة، إلا أن السفاح قد ظهر للندماء ثم احتجب عنهم بعد سنة، لاقتناعه بنصيحة أسيد بن عبد الله الخزاعي. فاختفى وراء الستارة طربا مبتهجا صاحئا “أحسنت والله! أعد هذا الصوت!” فيعاد له مرارا، فيقول في كلها “أحسنت”، فتتلوها الصلة أو الكشوة.


فقصره الحازم كان لا يخلو من الغناء، وما يتلوه من إحسان، فقد كان يقول: “العجب ممن يفرح إنسانا، فيتعجل السرور، ويجعل ثواب من سره تسويفا وعدة”، فكان في كل يوم وليلة يقعد فيه لشغله، لا ينصرف أحد ممن حضرة إلا مسرورا، “ولم يكن هذا لعربي ولا عجمي قبله..”.


فأما أبو جعفر المنصور، ما كان يظهر لنديم قط، ولا رآه يشرب غير الماء. ويقول الجاحظ:” وكان بينه وبين الستارة عشرون ذراعا، وبين الستارة والندماء مثلها، فإذا غناه المغني أطربه، حركت الستارة بعض الجواري، فاطلع إليه الخادم صاحب الستارة فيقول: قل له: “أحسنت” بارك الله فيك!، وربما أراد أن يصفق بيديه، فيقوم عن مجلسه ويدخل بعض حجر نسائه، فيكون ذاك هناك، وكان لا يثيب أحدا من ندمائه وغيرهم درهما، فيكون له رسما في ديوان. ولم يقطع أحدا ممن كان يضاف إلى ملهية أو ضحك أو هزل، موضع قدم من الأرض. وكان يحفظ كل ما أعطى واحدا منهم عشر سنين ويحسبه ويذكره له”.


مع كل ما عرف عن السفاح والمنصور من قوة شكيمة وبطش للأخصام وحزم فاق الحد، فإن قصرهما قد عرف المنتديات الغنائية إلى الحد الذي وافق مبدأهما. ولا شك أنه كان للمنتديات الغنائية الأثر الأساسي الأول الذي تطور وتوسع في قصور أولادهما من الخلفاء العباسيين.


وما أن تولى المهدي الحكم حتى تفجر ذلك الكبت، فانتشر اللهو والغناء والشراب إلى حد الخلاعة والمجاهرة بها، ذلك لما صارت إليه الدولة من الإستقرار والأمن، ولما كان يدخل في خزائنها من باهظ الأموال التي تجبى من الخراج وغيره. هذا إلى كثرة الجواري من كل نوع، وإلى تلون الحياة الإجتماعية بألوان المدنية المشرقة في جميع نواحيها.. تلك الحياة التي لم يألفها العربي في صحرائه المجدبة والتي بهرته وطارت بعقله فلم يسعه إلى أن يغترف منها ما استطاع.


المهم إن المهدي في أول أمره كان يحتجب عن الندماء، متشبها بالمنصور نحوا من سنة، ثم ظهر لهم. فأشار إليه أبو عون بأن يحتجب عنهم، ولكنه رفض قائلا له ناهرا: “إليك عني يا جاهل! إنما اللذة في مشاهدة السرور، وفي الدنو ممن سرني. فأما من وراء وراء، فما خيرها ولذتها؟ ولو لم يكن في الظهور للندماء والإخوان إلا أني أعطيهم من السرور بمشاهدتي مثل الذي يعطونني من فوائدهم، لجعلت لهم في ذلك حظا موفرا.


ويقول الجاحظ في كتابه البيان والتبيين:

لقد كان المهدي يحب القيان وسماع الغناء، وكان معجبا بجارية يقال لها جوهر، وكان اشتراها من مروان الشامي، فدخل عليه ذات يوم مروان الشامي وجوهر تغنيه، فقال مروان:

 

أنت يا جوهر عندي جوهرة في بياض الدرة المشتهرة
فإذا غـنت فنـار ضـرّمت قدحت في كل قلب شررة

 

فاتهمه المهدي، وأمر به فدُعّ في عنقه إلى أن خرج، ثم قال: لجوهر: أطربيني.


لذا من هنا نرى أن القصر قد تطور من حيث الغناء ومجالسه، حيث بات الخليفة لا يتحرج من الجلوس مع الندماء والمغنين، يحدثهم ويحادثونه، يضحك معهم ويضاحكونه، إلى غير ذلك من اللهو. إلا أنه لم يفقد سيطرته على نفسه، ولم يدع مجالا لأحد من الجالسين اجتياز حدوده كما كمان الهادي بعده، فرغم أن الهادي لم يحكم غير مدة قصرة إلا أنه تابع رحلة الحرية الغنائية في قصره، والكرم اللامحدود بحضرته فقد كان يأمر للمغنين بالمال الخطير والجزيل.


ويقال: إنه قال يوما، وعنده ابن جامع وإبراهيم الموصلي ومعاد بن الطيب، وكان أول من دخل عليه معاذ، وكان حاذقا بالأغاني عازما بها، فقال: من أطربني منكم، فله حكمه.
فغناه ابن جامع غناء لم يحركه، وكان إبراهيم قد فهم غرضه، فغناه. فطرب حتى قام عن مجلسه، ورفع صوته وقال: “أعد بالله، وبحياتي” فأعاد، فقال: “أنت صاحبي، فاحتكم”.


وجاء هارون الرشيد الذي أصبح اسمه مألوفا لا في الشرق وحده بل في الغرب أيضا.. وكان قصره المركز بل المنتدى الذي يتزاحم إليه العقلاء والعلماء من جميع الأنحاء، والذي أولى البلاغة والشعر والتاريخ والفقه والعلم والطب والموسيقى والفنون، اهتماما كبيرا وكريما. كل ذلك آتى الأكل، وأكثره في العهود التالية وفي عهد المأمون خاصة.
كان الرشيد في أخلاق أبي جعفر المنصور، يمتثلها كلها إلا في العطايا والصلات والخلع، فإنه كان يقفو فعل أبي العباس والمهدي.


والغريب عن هارون الرشيد الذي صور بأنه أسطورة الفسق والضلال، فإنه لم يُُرَ قط يشرب إلا الماء، ويقول الجاحظ: “ومن رآه يشرب فكذبه”، هذا لأنه لا يحضر شربه إلى خاص جواريه، وربما طرب للغناء، فتحرك حركة بين الحركتين في القلة والكثرة.


وهو من بين خلفاء بني العباس، من جعل للمغنين مراتب وطبقات على نحو ما وضعهم أردشير بن بابل وأنو شروان. فكان إبراهيم الموصلي وإسماعيل بن جامع، وزلزل، ومنصور الضارب في الطبقة الأولى. أما في الطبقة الثانية فكان: سليم بن سلام أبو عبيد الله الكوفي وعمرو الغزال ومن أشبههما. أما الطبقة الثالثة فكان: أصحاب المعازف والونج والطنابير.


وكان النظام المتبع في قصر الرشيد أنه إذا وصل واحدا من الطبقة الأولى بالمال الكثير الخطير، جعل اللذين معه في الطبقة نصيبا منه، وجعل للطبقتين اللتين تليانه منه، أيضا نصيبا. وإذا وصل أحدا من الطبقتين الأخريين بصلة، لم يقبل واحد من الطبقة العالية منه درهما، ولا يجترئ أن يعرض ذلك عليه.
ويقال أن قصر الرشيد الغنائي هو من أعظم القصور سابقا ولاحقا، حتى أن قصر المأمون لم يصل إلى الدرجة التي وصل إليها قصر الرشيد من ناحية الغناء. فقد كان الغناء من أشهى ضروب اللهو في لياليهم العامرة. فدنياهم موج من الطرب والعطاء، وأوقاتهم قنص لللذائذ والشهوات إلى حد الإسراف ليل نهار. وقس على ذلك ما تبقى من قصور ودور ومنازل. فقد كان لهذا الموج أثره في نفوس العباسيين عامة، حتى أصبح الغناء ضرورة من ضرورات حياتهم لا يحيون إلا به، ولا يرون الحياة سهلة جميلة إلى على ضرب الأعواد ونقر الدفوف وترنيم الأشعار وألحان الغناء.


ولقد بلغ من تأثير الغناء على نفوسهم أن كان بعضهم يتعشقه ولا يطيق العيش بدونه. فبعضهم كان يسمعه فيذهب عقله وتعتريه لوثة أو يغمىعليه، أو يفقد وعيه أو يشق ثوبه، أو ينطح الحائط برأسه أو يهيم على وجهه. 

كما أنه كان من أعظم هذه المنتديات فخامة وإشرافا في الأبهة، منتديات البرامكة فهم الذي قادوا الخلفاء، وفتحوا لهم أبواب اللهو والإمعان فيه، الذين اهدوهم الجواري وقادوا إليهم المغنين وأسرفوا في العطاء إلى حد الجنون، ولإبراهيم الموصلي مع البرامكة أخبار تثير العجب والدهشة.